من يعلّق الجرس ؟

على مدى ما يقارب النصف قرن من الزمان استطاع المجتمع السعودي أن يتحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع مدني حديث في معظم الجوانب المعيشية وفي بعض الجوانب الفكرية والاجتماعية ، وقد رافق هذا التحول الاجتماعي الكثير من التحولات في الأنظمة واللوائح التي تنظّم هذا الكائن الحديث . ونعلم أن الإنسان دائماً ما يكون هو المحور الأساسي لأي عملية تنموية ، لذلك فقد تطور المواطن السعودي علمياً واجتماعياً وأصبح قادراً على التناغم والتفاعل – إلى حد ما - مع مختلف الثقافات بعد أن كان يعيش في شبه عزلة حتى وقت ليس ببعيد وتغيرت معايير الكفاءة تبعاً لذلك ، فبعد أن كان مقياس الكفاءة في الماضي يعتمد على الجاه الموروث كالنسب أو القبيلة ، أصبح يعتمد على الجاه المكتسب كالخبرة العملية والشهادات الأكاديمية بالإضافة إلى السمات الشخصية .
وهنا أود أن أوضح بأني لا أنتقص من معايير الكفاءة في الماضي ،  إذ أن معايير الكفاءة عادة ما تأتي استجابة لظروف المجتمع ووفق ثقافته ومتطلباته ، وما يدل على ذلك أن الانسجام بين أفراد المجموعة الواحدة في الماضي كان أكبر بكثير من الحاضر حيث يقوم كل فرد بدوره المنوط به دون تذمّر بينما نجد الآن أن أي مجموعة أو فريق يزخر بعدد كبير من الكفاءات ( بمقاييس اليوم ) ، قادرة على التخطيط الجيد ورسم الاستراتيجيات الرائعة لأي عمل . لكنها وقت التطبيق تصطدم بعقبات لا حصر لها تتعلق في معظمها بأدبيات العمل ضمن جماعة وبثقافة التفاعل الاجتماعي بين الأفراد وبمبدأ الإنجاز للجميع وليس لفرد بعينه وغيرها من الأمور النابعة من ثقافة راسخة لا بد من التعامل معها وتوجيهها .
إن تطور أساليب الحياة وشكلها الخارجي لا يعني بالضرورة تطور البنى التقليدية الفكرية التي ترسم العلاقات بين الأفراد ، بل بالعكس قد تتسبب سهولة التواصل عبر وسائل الاتصال الحديثة في تكريس بعض الأفكار التي تعيق التنمية في بعض الأحيان  وقد تصبح الحاضنات الالكترونية تربة خصبة لزرع تلك الأفكار وممارستها بعيداً عن المواجهة وتساعد في تناقلها بشكل سريع ومؤثر .خصوصاً وأن تلك الأفكار يصعب التحكم بها لأنها لا تشاهد إلا عبر ممارسات يتطلب الحكم عليها ملاحظة دقيقة وإدراك واسع لشبكة التفاعلات الاجتماعية ودوافعها .
إن انتقال المجتمع إلى المدنية في مظهرها الخارجي مع بقاء بعض البنى الفكرية التقليدية أمر طبيعي ونتيجة متوقعة للثراء المفاجئ الذي طرأ على المجتمع نتيجة اكتشاف النفط ثم انشغال المجتمع بالتنمية والبناء على حساب مناقشة الأفكار والحفر في أصول تشكيل الثقافة بشكلها الحديث ، وأعتقد أنه وبعد مدة طويلة من السجالات عديمة الفائدة أصبحنا بحاجة ماسة إلى مشروع فكري عميق يبحث ويفكك كل البنى المتشابكة ويخرج لنا بأفكار تناسب المجتمع وتأخذ بيده إلى مصاف المجتمعات المتمدنة في اللب وليس فقط في القشور ولا يستطيع القيام بهذا المشروع إلا من نشأ وترعرع وسط هذه الثقافة بكافة أبعادها الدينية والاجتماعية وتشربها تماماً حتى ألمّ بتفاصيلها الدقيقة . وهذه ليست المرة الأولى التي أدعو فيها إلى مشروع ثقافي سعودي وأركز هنا على أنه ( سعودي ) بالكامل وليس عربي ولا خليجي حتى ، لإيماني بأن الحراك الفكري والاجتماعي في السعودية كثيف وعميق ولم يكتب فيه حتى اليوم ما يروي ظمأ المتطلع لمعرفة هذا النسيج المتداخل برغم ما كتب هنا وهناك من كتب جادة كانت تناقش جزئيات معينة داخله وتصف حالات وأفكار خاصة ، إلا أن هناك حاجة ملحة الآن للبدء في المشاريع الفكرية والثقافية الكبرى التي تصف وتحلل وتناقش وتفسر لترسم بعض مسارات المستقبل .
ويبقى السؤال : من يعلق الجرس ؟

الميتافيزيقيا

هذا مقال مختصر عن الميتافيزيقيا ، العلم الذي نسمع عنه دائماً ولا نعرفه ، وقد جاء المقال على هيئة أسئلة حتى يكون أقرب للفهم . والأسئلة التي يجيب عليها هي :

ما هي الميتافيزيقيا ؟
متى أطلق هذا الاسم عليها ؟ ومن أطلقه ؟ وما معناه ؟
هل تستخدم الميتافيزيقيا التجربة ؟
هل الميتافيزيقيا هي الفلسفة الأولى ؟
ما معنى أن الله هو العلة الأولى للوجود ؟
ما هي موضوعات الميتافيزيقيا ؟
هل للميتافيزيقيا تقسيم كسائر العلوم ؟ ما هي تقسيماتها عن وجدت ؟
هل تم الاعتراض على الميتافيزيقية ؟
هل هناك ميتافيزيقيين مسلمين ؟


المقال


ما هي الميتافيزيقيا ؟
الميتافيزيقيا باختصار كانت تطلق على مجموعة البحوث والمقالات التي كتبها أرسطو باللغة اليونانية في عدة كتب ، ثم جمعت في كتاب واحد ، وأصبحت فيما بعد علم يطلق عليه هذا الاسم .


متى أطلق هذا الاسم عليها ؟ ومن أطلقه ؟ وما معناه ؟
لم يعرف فلاسفة اليونان هذا الاسم ، ولم يظهر في عصرهم . بل ظهر غي العصر الذي يليه المسمى ( الهلنيستي ) في العام الستون قبل الميلاد تقريباً ، عندما قام أندرونيقوس الرودسي ، رئيس المدرسة المشّائية في روما ( المدرسة المشّائية هي المدرسة الأرسطية ، والسبب في هذه التسمية أن من عادة أرسطو حينها أن يمشي في المدرسة التي أنشأها في ملعب رياضي يسمى اللوقيون ، فيأتي إليه تلاميذه ليلقي عليهم دروسه وهو يمشي في الحديقة ) بتصنيف كتب أرسطو وترتيبها وشرحها ، وأثناء ذلك وجد أن مجموعة تلك البحوث والكتب لم يطلق عليها أي اسم ، وأنها جاءت بعد مجموعة البحوث التي كتبها في الطبيعة ( الفيزيقيا ) ، فسماها ( ميتا ) أي ما بعد ، ليصبح اسمها ( ميتا..فيزيقيا ) أي ( ما بعد الطبيعة ) . والقصد أنها مجموعة الكتب البحوث التي تلت كتب الطبيعة . ولم تكن كلمة ( ميتافيزيقيا ) تحمل أي إشارة إلى مضمون تلك البحوث ، بل هي ما بعد طبيعة أرسطو فحسب ، ثم أصبحت فيما بعد ( مصادفةً ) تشير إلى المضمون ، بعد أن أصبح هذا العلم يهتم بكل ما تجاوز الظواهر المحسوسة .


هل تستخدم الميتافيزيقيا التجربة ؟
الميتافيزيقيا علمٌ قائمٌ على العقل ، لا تدخل فيه التجربة .


هل الميتافيزيقيا هي الفلسفة الأولى ؟
نعم . فاسم ( الفلسفة الأولى ) كان أرسطو يطلقه على مجموعة البحوث الميتافيزيقية ويرى أنها المبادئ الأولى والعلل البعيدة التي تشمل جميع المبادئ الأخرى . فهي أشمل العلوم وأكثرها يقيناً وتجرداً لأن موضوعها النهائي هو العلة الأولى أو المبدأ الأول . وهو أشرف الموضوعات وهو : الله .


ما معنى أن الله هو العلة الأولى للوجود ؟
حينما نقول أن الميتافيزيقيا تبحث عن العلل في الموجودات وسبب وجودها ، وننتقل من علة إلى أخرى أعلى منها ، ونعلم أنه من المستحيل أن تكون العلل لا متناهية ، بل لابد أن تكون هناك علة أولى أزلية تشترك فيها جميع الموجودات ، وهو الله . ومن هنا تنشأ العلاقة بين الميتافيزيقيا واللاهوت وهو علم الآلهة .


ما هي موضوعات الميتافيزيقيا ؟
لابد أن نعرف أن موضوعات الميتافيزيقيا تطورت مع الزمن ،ولكنها في الأساس ، وحسب تعريف أرسطو : البحث في الوجود بما هو موجود . ويعني هذا أن نبحث عن الحقيقة الغائبة من خلال ما هو حاضر أمامنا . مثلاً : أمامك حجر ، فهو موجود ، ولكنك لا تبحث فيه وتحلله وتسجل خواصه ، بل تثير الأسئلة التي تكشف الحقيقة الكامنة خلفه . ما أصله ؟ كيف تكون ؟ ما هي مادته الأولية ؟ وهكذا .
ثم امتد مجال الميتافيزيقيا في الفلسفة الحديثة ( 1588 – 1776 م ) ليشمل نظرية المعرفة . وقد اهتم الفلاسفة المعاصرين بمشكلة المعرفة وطرحوا حولها العديد من الأسئلة : ما مصادر المعرفة ؟ أهي الحواس أم العقل ؟ أم إلى حاسة سادسة ؟ وهل تستطيع قدراتنا وملكاتنا أن تعرف كل شيء ؟ وغيرها من الأسئلة التي تشكل مشكلة المعرفة . وبذلك تنشأ علاقة وثيقة بين نظرية الوجود ونظرية المعرفة ، حيث أن البحث في الطبيعة الحقيقية يستلزم البحث في قدرتنا المعرفية . وفي هذا المجال تحدث الكثير من الفلاسفة الوجوديون عن فكرة الوجود . ما هو ؟ أين أنا ؟ كيف جئت ؟ ماذا سيحدث بعد ذلك ؟ وشمل البحث الموت وأثيرت حوله التساؤلات ، بل وقالوا إن الموت يتبع مع الجميع سياسة ديمقراطية تقوم على المساواة المطلقة إن صح التعبير ، فهو لا يميز بين أحد وآخر مهما كان . وأن طبيعة الموت متناقضة ، لأنه يجمع بين اليقين وعدم اليقين ، فأنت تعلم يقيناً أنك ستموت ، ولكنك لا تعلم أبداً متى ستموت . ومتناقض لأنه نهاية وبداية في نفس الوقت .وأنه حرية وقيد .
وإذا كانت الوجودية قد اهتمت بالحياة والموت فإنها اهتمت أيضاً بالحب ، والقلق ، والخوف ، وقالت إن القلق هو الخوف من مجهول ، وبالحرية ، والاختيار والمسئولية والالتزام والذنب والضمير وتحقيق الذات وبالجسد والوجود الزائف .
وهكذا نجد أن موضوعات الميتافيزيقيا ومشكلاتها لم تقف جامدة ، بل كانت تتغير وتتطور طوال تاريخها ، ولكن هناك مشاكل دائمة ظلت ملازمة لها طوال حياتها مثل : مشكلة النفس وعلاقتها بالبدن ومشكلة وجود الله والأدلة على وجودة ومشكلة الزمان والمكان والجوهر والمادة والسببية والكليات والجزئيات والتغير والهوية الشخصية .



هل للميتافيزيقيا تقسيم كسائر العلوم ؟ ما هي تقسيماتها عن وجدت ؟
نعم . للميتافيزيقيا تقسيم واضح منذ نشأتها ، ولكن لم يقسمها أحد حتى القرن السابع عشر ميلادي حيث قسمها كريستيان فولف الفيلسوف التنويري الألماني . وقد قسّمها كالتالي :

1- القسم الأول : الأنطولوجيا أو نظرية الوجود :
وقد تحدثنا عن ذلك وكيف أن أرسطو كان يبحث في الوجود بما هو موجود وثم تطورت لنظرية المعرفة حتى ظهرت الوجودية الحديثة والتي تهتم بالوجود البشري .

2- القسم الثاني : السيكولوجيا العقلية :
وهي تهتم بدراسة النفس البشرية ، هل هي بسيطة أم معقدة ؟ هل هي نفس واحدة أم عدة أنفس ؟ وما العلاقة بينها ؟ وما الفرق بين النفس والروح ؟ وما علاقة الروح بالبدن ؟ وكيف تتحول الأمور النفسية إلى مادية ؟ ( مثل احمرار الوجه عند الخجل ) . وما مصير النفس بعد الموت ؟ وكيف تعاقب النفس بعد الموت ؟ وغيرها من الأسئلة .

3- القسم الثالث : الكسمولوجيا أو الكونيات :
ويشمل العالم وظهور الكون ومم يتألف ؟ وما هي الحياة ؟ وما أصلها ؟ ويدرس كذلك الأزل والزمان والمكان والغائية ( وهي البحث في غاية الحياة ) .

4- القسم الرابع : اللاهوت العقلي أو الطبيعي :
وهو يناقش موضوع الألوهية والأدلة على وجود الله وصفاته ، وانقسم الفلاسفة فيه إلى ثلاثة أقسام :
· مذهب التأليه :وهم يؤمنون بوجود الله ، بعضهم موحدين وبعضهم مشركين يقولون بتعدد الآلهة .
· مذهب الطبيعيين الإلهي : يقولون هناك إله ، ولكنهم ينكرون الوحي والرسل ، ويقولون بأن العقل قادر على معرفة الله دون رسل .
· مذهب الإلحاد : وهم ينكرون الألوهية بكل صورها . وكان الغزالي يسميهم الدهريين أو الزنادقة ومنهم ماركس ونيتشه وسارتر .


هل تم الاعتراض على الميتافيزيقية ؟
نعم . قامت العديد من المشاكل والانتقادات على هذا العلم على مر العصور خصوصاً في العصر الحديث وكانت أبرز الملاحظات هي :
· الميتافيزيقيا مستحيلة ، فالأسئلة التي تطرحها مستحيلة الإجابة .
· لم يعد للميتافيزيقيا مكان بعد تطور العلوم التجريبية .
· أن قدراتنا كبشر ، لا تتعدى الظاهر . ومن الصعب الحكم على الغيبيات بالقطع .
· الميتافيزيقيا عديمة الجدوى .
· مشكلات الميتافيزيقيا لا تتغير .
وقد قام أنصار هذا العلم بتفنيد كل الانتقادات والرد عليها ، والمجال لا يتسع لذكر الردود .


هل هناك ميتافيزيقيين مسلمين ؟
نعم . وهم كثر ، وقد تناولوا العلم بأوجه مختلفة . ونذكر هنا أشهرهم على سبيل المثال لا الحصر :

1- الكندي ( 801 – 865 ) م : وهو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي ، فيلسوف العرب ، وهو أول من حاول التوفيق بين الفلسفة والدين ، ملخص مذهبه أن العالم مخلوق لله ، وأن أحداث الكون يرتبط بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول ، وأن النفس جوهر بسيط هبط من عالم العقل إلى عالم الحس ، وبمفارقتها للبدن تشهد الحقائق وتستشعر اللذة ، والحواس وسيلتنا إلى إدراك الجزئيات التي لا تشكل علماً حقيقياً ، لذلك كان العلم هو علماً بالكلي الذي يدركه العقل ( وهو ما ذهب إليه أرسطو ) ، ولابد أن ننوه بان الكندي بدأ حياته الفكرية متصلاً بالمعتزلة مشاركاً في نقاشاتهم .

2- الفارابي : ( 870 – 950 ) م : وهو أبو نصر الفارابي الملقب ( بالمعلم الثاني ) على اعتبار أن أرسطو هو ( المعلم الأول ) ، وقد ألف مجموعة كبيرة من الرسالات والكتب والشروح في المنطق وما بعد الطبيعة ، وشرح سائر مؤلفات أرسطو ، وألف كذلك في الموسيقى والشعر وعلم النفس والأخلاق والسياسة .

3- ابن سينا : ( 980 – 1037 ) م : وهو أبو علي الحسن بن عبدالله بن سينا الملقب ( بالشيخ الرئيس ) ، كتب في المنطق الرياضي والطبيعي والإلهيات والحكمة والعشق وغيرها ، كان مسايراً لأرسطو في فهمه للميتافيزيقيا .

4- ابن رشد ( 1126 – 1198 ) م : وهو محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد يلقب ( بالحفيد ) تمييزاً له عن أبيه وجده العالمان ، ألف كتباً في الطب ولخص كتاب ( الخطابة والأخلاق لأرسطو ) وغيرها من الكتب . وقد كانت ميتافيزيقية ابن رشد قائمة بذاتها منفصلة عن ميتافيزيقية أرسطو ، وقد رد على الإمام الغزالي في تكفيره للفلاسفة في مسائلٍ ثلاث : قِدَم العالم – علم الله بالجزئيات – إنكار بعث الأجساد ، وقال بأن كلام الفلاسفة لا يعارض ما جاءت به الشريعة الإسلامية بل تثبتها ولكن بطريقة أخرى .
.
.
.


المقال مستقى من عدة مصادر أهمها كتب الأستاذ إمام عبدالفتاح إمام .

جوانب مضيئة في عتمة الكوارث

مرت المملكة العربية السعودية مؤخراً بثلاث أزمات رئيسية حظيت بحراك كبير في الرأي العام وتركت أثراً بالغاً في تفكير أفراد المجتمع وتصرفاتهم واهتماماتهم .
كل تلك الأزمات حصدت عدد كبير من المواطنين والمقيمين وهو شيء مؤسف تأثرنا به كثيراً وانتابنا الحزن المشوب بالأسف على قلة التخطيط وغياب الوعي وعدم الاكتراث بالمصائب والتخطيط المسبق لتلافيها .ولست هنا بصدد التأنيب أو التنديد أو توزيع التهم . ولم أكتب لأبين حجم الكوارث أو تأثيرها السلبي على المجتمع ، فقد سبقني بذلك من هو أعلم وأجدر ، كلٌ في تخصصه وحسب مايراه . ولكنني في هذا المقال المتواضع أحاول تسليط الضوء على جوانب ايجابيةتعلمناها أو لمسناها في تلك الأزمات رغم عظم المصاب وحجم الكارثة .
.
هنالك ايجابيات عامة مثل توحّد هم المواطنين ، وشعورهم بنفس الخطر مما يزيد الترابط والألفة . ففي المحن لاتيارات ولا شعارات ولا فصائل ، الخطر يحدق بالكل دون استثناء ، يشعر الجميع بأنهم في وجه المدفع ، لافرق بينهم ، فهم أبناء وطن واحد .
.
أما الايجابيات في كل أزمة فهي كالتالي
.
الأزمة الأولى كانت وافدة من الخارج وهي أزمة مرض انفلوزا الخنازير التي حصدت أرواح العديد من المرضى في ظل التهاون مع التعامل معهامن قبل بعض الجهات ، هذه الأزمة جعلت الناس أكثر وعياً بمخاطر الأمراض ولو سألت أحد الأطفال عن كيفية الوقاية من الأمراض الفيروسية لأجابك بكل ثقة بما يجب فعله . تعلم الناس من هذه الأزمة كيفية التعقيم ، وكيفية التصرف في الأماكن العامة المزدحمة ، وجعلتهم أكثر اهتماماً بالنظافة الشخصية ، وأكثر وعياً في مجال مراجعة الطبيب بدل أخذ الأدوية والمضادات من الصيدلية مباشرة .
كان الأحرى بنا أن تكون تلك التصرفات جزءاً من ثقافتنا ولكنها لم تكن كذلك حتى جاء المرض وأرغمنا عليها .
.
الأزمة الثانية هي الحرب التي نشبت في الجنوب بين القوات السعودية والمجموعة التي تطلق على نفسها الحوثيين ، انطلقت الحرب واستشهد فيها من استشهد واستفدنا منها كثيراً رغم ماخسرناه من جنودنا أبناء الوطن . تعلمنا ألا نهمل حدودنا وأن نهتم بدخول وخروجأفراد القبائل منها ، وأن نترك فيها مدناً تحتوي على كافة الخدمات ويتضح ذلك في أمر خادم الحرمين الشريفين ببناء عشرة آلاف مسكن لتشكل نواة مدينة عصرية توفر سبل العيش الكريم للمواطنين على الحدود ، وتحفظ أمن البلد من غدر المعتدين . تعرفنا بعد هذه الحرب على حدودنا وعلى القرى القابعة هناك التي كانت تعاني جهلنا بها ونسيان المسئولين تطويرها، وبحثنا عن المجموعات والفرق الضالة التي تترصد بنا تعلمنا كيف نتوقع الضربة في أي وقت وفي أي مكان ، وعرفنا دور الجيش في حمايتنا وحماية البلد بعد الله .
كان الأحرى بنا أن يكون كل ذلك جزء من ثقافتنا ولكنه لم يكن حتى جاءت الأزمة وأرغمتنا على ذلك .
.
الأزمة الثالثة وهي السيول التي ضربت مدينة جدة ، وماحصل جرّاء ذلك من خسائر في الأرواح والممتلكات ، خسرنا كثيراً ولكننا استفدنا .فقد جرفت السيول الأخطاء المتراكمة والفساد المستشري ووضعته في مكان يراه الجميع بدون استثناء . يشير إليه المواطن بيد المشتكيويشير إليه الحاكم بيد المحاسب . فقد غسلت المياهُ الطين الذي غطى به اللص سوأته لتتعرى الحقيقة التي غابت عن الكثير ، وبتنا اليوم وكأننانستيقظ من سبات عميق ، من اليوم سيفكر من يحاول الخداع ألف مرة قبل أن يقبل على خدعته ، من اليوم سوف نرى المشاريع تنفذ بإتقانخشية أن يأتي شيء مجهول ويعريها . علمتنا الأزمة المحاسبة ، والمراقبة الدقيقة ، وعدم الثقة المفرطة . علمتنا أن نسأل عما أنفق ، وكيف أنفق. علمتنا معنى العمل التطوعي ، ومعنى التضحية من أجل الآخرين . علمتنا أن نحسن التخطيط ، ونتوقع الأسوأ .
كان من الأحرى أن يكون كل ذلك جزءاً من ثقافتنا ولكنه لم يكن حتى حلت الكارثة وأرغمتنا عليه .
.
كل ما أتمناه هو ألا ترغمنا كوارث أخرى على أشياء من المفترض أن تكون جزءاً من ثقافتنا ، وهي كثر ولكنها تحتاج من أصحاب العقولوالعلم التفكر وقبله الإخلاص والاحساس بالمسئولية .

من أقوال بعض الفلاسفة



.
سقراط :

حكيم فاضل زاهد من أهل أثينا . اقتبس الحكمة من فيثاغورس و أرسالاوس واقتصر على الإلهيات والأخلاق من أقواله :

- الحكمة إذا أقبلت خدمت الشهوات العقول ، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات .

- لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم .

- للحياة حدان أحدهما الأمل والآخر الأجل ، فبالأول بقاؤها وبالآخر فناؤها ..


سولون :


احد حكماء اليونان ، سن قوانين إصلاحية واجتماعية وسياسية ومن أقواله :

- دع المزاح فإن المزاح لقاح الضغائن .

- سئل أي شيء أصعب على الإنسان ؟ فقال : أن يعرف عيب نفسه ، وأن يمسك عما لا ينبغي أن يتكلم به .

- ليكن اختيارك من الاشياء أحدثها ومن الأصدقاء أقدمهم ..


أوميروس الشاعر :


شاعر ملحمي يوناني أعمى ، صاحب الإلياذة والأوديسة ، قال :

- لاخير في كثرة الرؤساء .

- لِــن تنبل واحلم تعز ولا تكن معجباً فتمتهن واقهر شهوتك فإن الفقير من انحط لشهواته .

- الأب من ربى لامن ولد ..


الاسكندر الرومي :


وهو ذو القرنين وليس المذكور في القرآن وقد قيل له إنك تعظم مؤدبك أكثر من والدك فقال : أبي كان سبب حياتي الفانية ومؤدبي هو سبب حياتي الباقية .ومن أقواله :

- سلطان العقل على باطن العقل أشد من تحكما من سلطان السيف على ظاهر الأحمق .

- النظر في المرآة يري رسم الوجه وفي أقاويل الحكماء يري رسم النفس .

- استقلل كثير ما تعطي واستكثر قليل ما تأخذ فإن قرة عين الكريم فيما يعطي ومسرة اللئيم فيما يأخذ .
.
.
.



أعظم الأخطاء في التاريخ

-1-
باع جورج هاريشن من جنوب أفريقيا مزرعته إلى شركة تنقيب بعشرة جنيهات فقط لعدم صلاحيتها للزراعة ، وحين شرعت الشركة في استغلالها ، اكتشفت بها أكبر منجم للذهب على الإطلاق ، أصبح بعدها هذا المنجم مسؤولاً عن 70% من إنتاج الذهب في العالم
***********
***********-2-
وفي إحدى ليالي 1696م أوى الخباز البريطاني جوفينز إلى فراشه ، ولكنه نسي إطفاء شعلة صغيرة بقيت في فرنه، وقد أدى هذا "الخطأ" إلى اشتعال منزله ثم منزل جيرانه ثم الحارات المجاورة ، حتى احترقت نصف لندن ومات الآلاف من سكانها ، فيما أصبح يعرف "بالحريق الكبير" ،، جوفينز نفسه لم يصب بأذى !!
***********
***********

-3-
وفي عام 1347م دخلت بعض الفئران إلى ثلاث سفن إيطالية كانت راسية في الصين ، وحين وصلت إلى ميناء مسينا الإيطالي خرجت منها ، ونشرت الطاعون في المدينة ثم في كامل إيطاليا . وكان الطاعون قد قضى أصلاً على نصف سكان الصين في ذلك الوقت ، ثم من إيطاليا انتشر في كامل أوروبا فقتل ثلث سكانها خلال عشر سنوات فقط
***********
***********

-4-
تذكر بعض المصادر أن أحد الملوك البريطانيين اختلف مع البابا في وقت كانت فيه بريطانيا كاثوليكية ، وكرد انتقامي حرّم البابا تزاوج البريطانيين الأمر الذي أوقع الملك في حرج أمام شعبه ، وللخروج من هذا المأزق طلب من ملوك الطوائف في الأندلس إرسال بعض المشايخ كي تتحول بريطانيا للإسلام نكاية بالفاتيكان ! إلاّ أن "جماعتنا" تقاعسوا عن تنفيذ هذا الطلب حتى وصل الخبر إلى البابا ، فأصلح الخلاف ورفع قرار التحريم ( ولك أن تتصور إسلام بريطانيا، ثم ظهورها كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ) !!



***********
***********
-5-
وكانت فرصة مشابهة قد سنحت للمسلمين ، خلال معركة بلاط الشهداء (قرب بواتييه في فرنسا) ، ففي هذه المعركة كرر المسلمون نفس الخطأ القاتل في معركة أحد ؛ فقد تراجعوا لحماية غنائمهم من جيش شارلمان ، فغلبوا وتوقف الزحف الإسلامي على كامل أوروبا . يقول أحد المؤرخين الإنجليز : "لو لم يهزم العرب في بواتييه ، لرأيتم القرآن يُتلى ويُفسر في كامبريدج وأكسفورد" !!
.
.
.
.
من البريد

أثر الهواء في أخلاق البشر



قبل أن أورد ما ذكره ابن خلدون في مقدمته لابد أن أشير إلى تقسيم الأرض الذي كان سائدا منذ زمن ولست متأكداً من التقسيم هل هو لابن خلدون أو أنه منسوب لأحد آخر من المتقدمين عنه .
تم تقسيم الأرض والبلاد إلى سبعة أقاليم أولها في الجنوب من جهة خط الاستواء وسابعها في الشمال بمحاذاة أوروبا . وكانت السودان ( وأعتقد أنه يقصد بها العرب من الأفارقة ) في الإقليم الأول والثاني من جهة الغرب . وذهكر ابن خلدون تأثير ذلك في لون البشر وأشكالهم وطريقة عيشهم كذلك في طبيعة الأرض ونوع الحيوانات وذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في تصنيف المجتمعات وذكر أخبارهم .
وما لفت نظري واستوقفني هو رأيه في أثر الهواء ( ويقصد الجو ) في أخلاق البشر وسوف أذكر هنا بعضا مما قاله.
يقول في مقدمته :
قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة و الطيش و كثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر و السبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح و السرور هي انتشار الروح الحيواني و تفشيه و طبيعة الحزن بالعكس و هو انقباضه و تكاثفه. و تقرر أن الحرارة مفشية للهواء و البخار مخلخلة له زائدة في كميته و لهذا يجد المنتشي من الفرح و السرور مالا يعبر عنه و ذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة العزيزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح وتجيء طبيعة الفرح و كذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهم فرح و ربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. و لما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار و استولى الحر على أمزجتهم و في أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم و إقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشياً فتكون أسرع فرحاً و سروراً و أكثر انبساطاً و يجيء الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر و أشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح و الخفة موجودة أكثر من بلاد التلول و الجبال الباردة و قد نجد يسيراً من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الإقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها و في هوائها لأنها عريقة في الجنوب عن الأرياف و التلول و اعتبر ذلك أيضاً بأهل مصر فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريباً منها كيف غلب الفرح عليهم و الخفة و الغفلة عن العواقب حتى أنهم لا يدخرون أقوات سنتهم و لا شهرهم و عامةً مأكلهم من أسواقهم. و لما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن و كيف أفرطوا في نظر العواقب حتى أن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة و يباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئاً من مدخره وتتبع ذلك في الأقاليم و البلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء و الله الخلاق العليم و قد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان و طيشهم و كثرة الطرب فيهم و حاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس و يعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم و ما نشأ عنه من ضعف عقولهم و هذا كلام لا محصل له و لا برهان فيه و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.